محمد بن جرير الطبري
12
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله إِذا تَناجَيْتُمْ بينكم فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ولكن تَناجَوْا بِالْبِرِّ يعني طاعة الله وما يقربكم منه وَالتَّقْوى يقول : وباتقائه بأداء ما كلفكم من فرائضه واجتناب معاصيه . وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يقول : وخافوا الله الذي إليه مصيركم ، وعنده مجتمعكم في تضييع فرائضه ، والتقدم على معاصيه أن يعاقبكم عليه عند مصيركم إليه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ . . . فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يقول تعالى ذكره : إنما المناجاة من الشيطان ، ثم اختلف أهل العلم في النجوى التي أخبر الله أنها من الشيطان ، أي ذلك هو ، فقال بعضهم : عني بذلك مناجاة المنافقين بعضهم بعضا . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا كان المنافقون يتناجون بينهم ، وكان ذلك يغيظ المؤمنين ، ويكبر عليهم ، فأنزل الله في ذلك القرآن إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً الآية . وقال آخرون بما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله عز وجل إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال : كان الرجل يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع ذلك من أحد قال : والأرض يومئذ حرب على أهل هذا البلد ، وكان إبليس يأتي القوم فيقول لهم : إنما يتناجون في أمور قد حضرت ، وجموع قد جمعت لكم وأشياء ، فقال الله : إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخر الآية . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، قال : كان المسلمون إذا رأوا المنافقين خلوا يتناجون ، يشق عليهم ، فنزلت إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا . وقال آخرون : عني بذلك أحلام النوم التي يراها الإنسان في نومه فتحزنه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن داود البلخي ، قال : سئل عطية ، وأنا أسمع الرؤيا ، فقال : الرؤيا على ثلاث منازل ، فمنها وسوسة الشيطان ، فذلك قوله إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ ومنها ما يحدث نفسه بالنهار فيراه بالليل ؛ ومنها كالأخذ باليد . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عني به مناجاة المنافقين بعضهم بعضا بالإثم والعدوان ، وذلك أن الله جل ثناؤه تقدم بالنهي عنها بقوله إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ثم عما في ذلك من المكروه على أهل الإيمان ، وعن سبب نهيه إياهم عنه ، فقال : إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا فبين بذلك إذ كان النهي عن رؤية المرء في منامه كان كذلك ، وكان عقيب نهيه عن النجوى بصفة أنه من صفة ما نهى عنه . وقوله : وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : وليس التناجي بضار المؤمنين شيئا إلا بإذن الله ، يعني بقضاء الله وقدره . وقوله وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يقول تعالى ذكره : وعلى الله فليتوكل في أمورهم أهل الإيمان به ، ولا يحزنوا من تناجي المنافقين ومن يكيدهم بذلك ، وأن تناجيهم غير ضارهم إذا حفظهم ربهم . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا . . . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ يعني بقوله تفسحوا توسعوا من قولهم مكان فسيح إذا كان واسعا . واختلف أهل